عثمان بن جني ( ابن جني )
278
سر صناعة الإعراب
وكلّمني بعضهم ، فقال : أنا أوجدك في الآية ترتيبا ، وهو قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ قال : والفاء للترتيب بلا خلاف ، وحكى ذلك عن بعض متأخريهم - وأحسبه ابن القطان رحمه اللّه - فقلت له : قد ذهب عليك ما في الحال ، وذلك أن معنى قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي : إذا عزمتم على الصلاة ، وأردتموها ، وليس الغرض - واللّه أعلم - في قُمْتُمْ النهوض والانتصاب ، لأنهم قد أجمعوا أنه لو غسل أعضاءه قبل الصلاة قائما أو قاعدا لكان قد أدّى فرض هذه الآية ، فالفاء إذن إنما رتبت الغسل والمسح عقيب الإرادة والعزم ، ولم تجعل للغسل مزية في التقدم على المسح ، لأن المسح معطوف على الغسل بالواو في قوله : وَامْسَحُوا فجرى هذا مجرى قولك : « إذا قمت فاضرب زيدا واشتم بكرا » فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزا ، فالفاء لم ترتب الغسل قبل المسح ، ولا الضرب قبل الشتم ، ولم ترتب أيضا نفس المغسول به ، لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرف لا يوجب الترتيب ، وهو الواو ، وهذا واضح ، ففهمه ، وعرف الحقيقة فيه . ونظير « قمتم » في هذا الموضع قوله عز اسمه : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ( النساء : 34 ) « 1 » وليس يراد هنا - واللّه أعلم - القيام الذي هو المثول والتنصّب وضدّ القعود ، وإنما هو من قولهم : « قمت بأمرك » و « عليّ القيام بهذا الشأن » فكأنه - واللّه أعلم - الرجال متكلّفون لأمور النساء معنيّون بشؤونهنّ . فكذلك قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي : إذا هممتم بالصلاة ، وتوجّهتم إليها بالعناية ، وكنتم غير متطهرين ، فافعلوا كذا وكذا ، لا بدّ من هذا الشرط ، لأن من كان على طهر وأراد الصلاة لم يلزمه غسل شيء من أعضائه لا مرتّبا ولا مخيّرا فيه ، فيصير هذا كقوله عز وجل وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ( المائدة : 6 ) وهذا ، أعني قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فافعلوا كذا ، وهو يريد : إذا قمتم ولستم على طهارة ، فحذف ذلك للدلالة عليه أحد الاختصارات التي في القرآن ، وهو كثير .
--> ( 1 ) قوامون : جمع قوام صيغة مبالغة على وزن فعال ، والقوامة هنا المقصود بها ما جاء بالمتن وهو تكليف الرجال بأمور النساء والاعتناء بهن . اللسان ( 12 / 499 ) مادة / قوم .